بقلم /محمد مهلهل الياسين
في كل مرحلة تمر بها الدول، تأتي لحظة مراجعة شاملة تعيد فيها ترتيب أولوياتها، وتعيد النظر في الأنظمة والقوانين وآليات العمل داخل مؤسساتها. وهذه المراجعة لا تعني فقط تعديل نص قانوني أو إصدار لائحة جديدة، بل تعني الانتقال من مرحلة التراخي إلى مرحلة الدولة الجادة التي تؤمن بأن بقاء المؤسسات واستقرار المجتمع لا يتحققان إلا بسيادة القانون وعدالة التطبيق.
وفي الكويت، ومع بدء تنقيح القوانين وتشديد الرقابة وتفعيل أدوات المحاسبة، بدأت تتكشف أمام المجتمع حقائق كثيرة كانت مخفية خلف المجاملات الإدارية والاستثناءات والتفسيرات المتساهلة التي تراكمت عبر سنوات طويلة. فالكثير من الممارسات التي كان البعض يراها أمورًا طبيعية، اتضح لاحقًا أنها تجاوزات صريحة لمبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
لقد كشفت مرحلة الإصلاح أن المشكلة الحقيقية لم تكن دائمًا في غياب القوانين، فالكويت تمتلك منظومة تشريعية واسعة ودستورًا متقدمًا وضع أسس الدولة القانونية منذ عقود، لكن الخلل كان في ضعف التطبيق، وفي وجود بيئة إدارية سمحت أحيانًا بتعطيل النصوص أو الالتفاف عليها أو تطبيقها بشكل انتقائي.
الدستور الكويتي… حجر الأساس في بناء دولة القانون
الدستور الكويتي لم يكن مجرد وثيقة سياسية تنظم شكل السلطات، بل كان مشروع دولة متكامل يقوم على حماية الحقوق وترسيخ العدالة وضمان المساواة بين المواطنين.
فقد نصت المادة السابعة من الدستور على أن:
“العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع”.
وهذا النص يعكس فلسفة الدولة الكويتية القائمة على أن العدالة ليست خيارًا إداريًا، بل مبدأ دستوري ملزم لكل مؤسسة ولكل مسؤول.
كما أكدت المادة التاسعة والعشرون أن:
“الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة”.
وهنا تتجلى أهمية التطبيق الحقيقي للقانون، لأن المساواة لا تتحقق بمجرد وجود النصوص، بل تتحقق عندما يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع دون تمييز أو استثناء أو حماية غير مستحقة.
أما المادة الخمسون فقد أرست مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أهم الضمانات الدستورية لمنع تركيز النفوذ أو استغلال السلطة، حيث أكدت أن نظام الحكم يقوم على فصل السلطات مع تعاونها وفق أحكام الدستور.
هذه المبادئ الدستورية لم توضع للزينة القانونية أو للاستهلاك الإعلامي، بل وضعت لحماية الدولة من الفوضى الإدارية والسياسية والمالية.
التطبيق الصارم كشف حجم التجاوزات
حين بدأت الجهات المختصة بتشديد الرقابة وإعادة مراجعة الكثير من الملفات، ظهرت أمام المجتمع ممارسات كانت لسنوات طويلة تمر بصمت أو يتم تبريرها تحت عناوين مختلفة.
فقد تبين أن هناك خللًا تراكم عبر الزمن في بعض مفاصل العمل الإداري، تمثل في:
* التوسع في الاستثناءات دون ضوابط واضحة.
* استغلال بعض المناصب لتحقيق مصالح خاصة.
* تعطيل مبدأ تكافؤ الفرص.
* وجود ممارسات إدارية قائمة على العلاقات والنفوذ بدل الكفاءة.
* ضعف الالتزام ببعض اللوائح والأنظمة.
* التهاون في حماية المال العام.
* غياب الرقابة الفعلية في بعض الملفات.
* تضخم الاجتهادات الشخصية المخالفة لروح القانون.
والمفارقة أن كثيرًا من هذه الممارسات لم تكن وليدة اليوم، بل كانت موجودة منذ سنوات، لكنها أصبحت مكشوفة فقط عندما بدأ تطبيق القانون بشكل جاد.
وهنا تظهر الحقيقة المهمة:
القانون لا يصنع الفوضى حين يطبق، بل يكشف الفوضى التي كانت مختبئة خلف التراخي.
ثقافة الاستثناء… الخطر الذي يهدد المؤسسات
من أخطر ما يصيب أي مؤسسة هو تحول الاستثناء إلى قاعدة غير معلنة. فحين يشعر البعض أن القانون يمكن تجاوزه بالواسطة أو النفوذ أو العلاقات، تبدأ هيبة النظام بالتآكل تدريجيًا.
وقد عانت الكثير من المؤسسات في المنطقة العربية عمومًا من ثقافة الاستثناءات، حيث تتحول الأنظمة أحيانًا إلى نصوص جامدة لا تطبق إلا على فئة معينة، بينما يتم تجاوزها لفئات أخرى.
وهذه الثقافة تخلق عدة أزمات خطيرة، منها:
* فقدان الثقة بالمؤسسات.
* انتشار الشعور بعدم العدالة.
* ضعف الانتماء الوظيفي.
* الإضرار بالكفاءات الحقيقية.
* تشجيع الفساد الإداري والمالي.
* تحويل النفوذ الشخصي إلى بديل عن القانون.
ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي يبدأ أولًا بإعادة الاعتبار للقانون بوصفه المرجعية العليا فوق الجميع.
هيبة الدولة لا تبنى بالشعارات
الدولة الحديثة لا تقاس بعدد البيانات أو كثرة التصريحات، بل تقاس بقدرتها على فرض النظام وحماية الحقوق ومحاسبة المتجاوزين.
فهيبة الدولة لا تتحقق بالخوف، وإنما تتحقق عندما يثق المواطن أن القانون عادل، وأنه يطبق على الجميع دون انتقائية.
ولهذا نصت المادة الثامنة من الدستور على أن:
“تصون الدولة دعامات المجتمع وتكفل الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص للمواطنين”.
ولا يمكن تحقيق الأمن الحقيقي في بيئة يشعر فيها الناس أن بعض التجاوزات محمية أو أن بعض الأشخاص فوق المساءلة.
فالعدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل عنصر أساسي من عناصر الاستقرار الوطني.
الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شجاعة
الإصلاح ليس عملية سهلة، لأنه غالبًا يصطدم بمصالح متراكمة وشبكات من الاعتياد الإداري والاجتماعي التي تشكلت عبر الزمن.
ولهذا فإن أي محاولة جادة لتنقيح القوانين أو إعادة ضبط المؤسسات ستواجه بالرفض من المستفيدين من الفوضى أو من أولئك الذين اعتادوا على غياب المحاسبة.
لكن الدول التي تريد الاستمرار لا تملك خيارًا سوى الإصلاح، لأن ترك التجاوزات دون معالجة يؤدي تدريجيًا إلى إنهاك المؤسسات وإضعاف ثقة الناس بالدولة.
كما أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على العقوبة فقط، بل يشمل:
* تحديث الأنظمة.
* تبسيط الإجراءات.
* تعزيز الشفافية.
* تطوير الرقابة.
* حماية الكفاءات.
* منع تضارب المصالح.
* ترسيخ مبدأ المساءلة.
القضاء الكويتي ودوره في حماية المشروعية
لعب القضاء الكويتي دورًا مهمًا في حماية مبدأ المشروعية، حيث أكدت العديد من الأحكام القضائية أن الإدارة ليست سلطة مطلقة، وأن أي قرار إداري يجب أن يكون قائمًا على سبب صحيح ومتفقًا مع القانون.
وقد رسخت المحكمة الإدارية في الكويت مبادئ تؤكد أن إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها يعد سببًا كافيًا لإلغاء القرار الإداري.
وهذا يعكس أهمية وجود قضاء مستقل يشكل صمام أمان لحماية الحقوق ومنع التعسف الإداري.
بين الماضي والحاضر
ما يحدث اليوم من مراجعات قانونية وإدارية كشف أن كثيرًا من المشكلات لم تكن ناتجة عن نقص الإمكانيات، بل عن تراكم أخطاء إدارية وثقافة تساهل استمرت لفترات طويلة.
واليوم، ومع عودة الدولة إلى تشديد الرقابة وتفعيل القوانين، بدأت تتضح الصورة الحقيقية لحجم العبث الذي كان قائمًا خلف الكواليس.
فالأنظمة حين تطبق بعدالة، تظهر الفجوات، وتسقط الممارسات غير القانونية، وتنتهي مرحلة الاعتماد على العلاقات والمجاملات.
الخاتمة
تنقيح القوانين وتطبيقها ليس حربًا على الناس، بل حماية للدولة والمجتمع والمؤسسات. وهو خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة وترسيخ العدالة وتحقيق الاستقرار.
لقد كشفت مرحلة التطبيق الجاد أن كثيرًا من مظاهر الخلل لم تكن بسبب غياب النصوص، بل بسبب غياب الإرادة الحقيقية في فرضها على الجميع دون استثناء.
فالدولة التي تحترم القانون تحمي نفسها قبل أن تحاسب غيرها، والمجتمع الذي تسوده العدالة هو المجتمع القادر على الاستمرار والنهوض مهما كانت التحديات.
ويبقى الدستور الكويتي شاهدًا على أن بناء الدولة لا يقوم إلا على العدل والمساواة وسيادة القانون، وأن هيبة الوطن تبدأ من احترام النظام، لا من التحايل عليه.
العصفورة نيوز موقع إخبارى نسائى