بقلم سوزان أحمد شوقي جويلي
لم يكن الخبر عابرًا، ولم يكن الفقد بسيطًا كما نحاول أن نقنع أنفسنا.
برحيل هاني شاكر، خسر العالم صوتًا استثنائيًا، وخسرنا نحن قطعةً من أعمارنا… خسرنا زمنًا كان يمرّ على إيقاع صوته، وذكرياتٍ كانت تُولد كلما صدح بلحنٍ أو كلمة.
لم يكن مجرد فنان نسمعه، بل كان حالةً نعيشها.
بالنسبة لي، كما لغيري كثيرين، كان عنوانًا لمرحلة المراهقة وبدايات النضج، تلك الفترة التي تتشكل فيها أرواحنا ونحمل فيها أول مشاعرنا بصدقٍ واندفاع. كان صوته حاضرًا في تلك التفاصيل الصغيرة التي كبرت معنا، حتى صار جزءًا منا دون أن نشعر.
وفجأة… نقف.
كأن الزمن تعثّر، وكأن شيئًا في الداخل انكسر بصمت. لأن الفقد هنا لا يخص فنانًا فقط، بل يخص أيامًا جميلة، ومشاعر كانت صادقة، وذكريات لن تتكرر.
كان يتميز بحضورٍ لا يشبه أحدًا.
ضحكته التي تسبق صوته، وملامحه الهادئة، ووقوفه على المسرح وكأنه يمنح الفرح لكل من حوله بلا حساب. لم يكن يغني فقط، بل كان يُشعرك أن السعادة ممكنة، وأن الأغنية قد تكون حضنًا خفيًا في لحظة احتياج.
لم أكتب يومًا عن فنان، ولم يدفعني قلمي إلى هذا النوع من الرثاء من قبل، لكن مع هاني شاكر كان الأمر مختلفًا. ربما لأن التعلّق به بدأ مبكرًا، منذ الصف السادس، دون سبب واضح… سوى أن صوته كان يصل إلى القلب مباشرة، بلا استئذان، ويترك أثرًا لا يُمحى.
وبعيدًا عن كل الجدل الذي قد يُثار حول الفن، حلاله وحرامه، يبقى الأثر الإنساني هو الأصدق. وقد أجمع الجميع تقريبًا على أخلاقه الرفيعة، وعلى صورته النقية التي حافظ عليها طوال مسيرته. كان زوجًا محبًا، يُظهر احترامه لزوجته أمام الجميع، وإنسانًا متعلقًا بأسرته، صادق المشاعر، دافئ الحضور.
كان متواضعًا رغم نجوميته، قريبًا رغم المسافات، محبوبًا بين أصدقائه، ومحترمًا لدى جمهوره.
صوته كان بصمة… ما إن تسمعه حتى تدرك فورًا من هو، دون تردد. لم ينجرف خلف موجات الفن الهابط، بل ظل وفيًا لقيمة الفن، محافظًا على رقيه، مؤمنًا بأن الفن رسالة قبل أن يكون شهرة.
لقد كان يغني لنا… وكأن كل أغنية كُتبت لأجلنا نحن.
وكان ينجح، في كل مرة، أن يُحرّك فينا شيئًا لا تُحرّكه الكلمات وحدها.
مهما كتبنا، لن نوفيه حقه، ومهما حاولنا أن نرثيه، ستظل هناك مسافة بين ما نشعر به وما نستطيع قوله. لكننا نكتب لأن الكتابة نوع من الوفاء، ولأن الذكريات الجميلة لا تموت، بل تبقى فينا، وتُعيدنا إليه كلما مرّ طيف صوته في الذاكرة.
رحمك الله يا أمير الغناء العربي، رحمةً واسعة، وغفر لك، وجعل ما زرعته من فرحٍ في قلوب الناس نورًا لك في قبرك، ورفعةً في درجاتك.
اللهم ارحمه واغفر له، واجعل مقامه في عليين، وأسكنه فسيح جناتك.
سيبقى مكانك كما هو…
لا يُملأ، ولا ينسى
العصفورة نيوز موقع إخبارى نسائى