*بقلم /سعاد فهد المعجل/القبس
في عام 1961 قامت إحدى شركات الطيران الأمريكية بعرض فيلم على متن إحدى رحلاتها، وقتها كان جميع الركاب يشاهدون الفيلم نفسه، ثم تطوّر الترفيه عبر رحلات الطيران في السبعينيات والثمانينيات ليصبح عبر شاشات صغيرة معلّقة على سقف الطائرة، إلى أن ظهرت الشاشات الشخصية المثبّتة خلف المقعد في التسعينيات، ثم أتت الألفية بزخم من الترفيه على رحلات الطيران يشمل بثاً مباشراً وخدمة إنترنت وغيره.
برامج الترفيه على الطائرة تخفّف كثيراً من ملل الرحلات الطويلة خاصة، وتجعل تجربة السفر ممتعة.
اليوم، يحتاج المسافر الى وقت لتصفّح اختيارات الترفيه قبل ان يستقر على فيلم يتابعه اثناء الرحلة، أفلام بكل اللغات ومن كل الثقافات، أحد تلك الأفلام الجديرة بالمشاهدة كان فيلماً مصرياً بعنوان «عائلة الروبي»، وهو فيلم ظاهره كوميديا، لكنه يحمل رموزاً وأفكاراً اجتماعية عدة، تتناول خيار العزلة في مواجهة العالم الرقمي الذي أصبح مستفزًا ومخيفًا.
يتحدّث الفيلم عن مهندس مصري يعيش مع زوجته الطبيبة وطفليهما في قرية نائية وبعيدة، بعد أن ترك القاهرة إثر تعرّض زوجته لحملة تشهير وتنمّر على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد اتهامها بالتسبب بوفاة طفلة اثناء عملية توليد، الفيلم لا يتناول هذه الحادثة بكونها محور القصة، بل يتحدّث عن كيفية صناعة الرأي العام وتأجيجه عبر منصات التواصل، وشكل دفع هذه الأسرة، عائلة الروبي، لهجرة كل شيء والاختباء في قرية، بعيداً عن ضجيج المدينة ومنصات التواصل.
في النهاية، تعود العائلة الى المدينة ولكن بحذر، مع رسالة واضحة بأن هذه المنصات قد أصبحت جزءًا من حياتنا، وأن المصالحة معها، ومع مثل هذا الواقع بحكمة وثقة ومن دون تطرف، هو الأسلوب الوحيد لتجاوز أزماتها وفضائحها وزيفها ومبالغاتها.
فيلم آخر من أفلام الترفيه على الطائرة كان بعنوان «كارت شحن»، الذي تدور أحداثه حول موظف بسيط يدخل في دوامة التطبيقات الرقمية، حيث يفوز بثلاجة باهظة الثمن ورقمية تمامًا في كل تطبيقاتها، لتتحول حياته كلها الى تطبيقات الكترونية وكروت شحن جعلت منه، وهو الموظف البسيط محدود الدخل، ضحية الإغراء والاستهلاك والتكنولوجيا والهدايا والوعود.
الفيلم طبعًا يطرح قضية هيمنة التكنولوجيا على ابسط شؤون حياتنا اليومية، وكيف أصبح ارتباطنا بها وبخدماتها هائل، وإن كان غير مرئي، حتى ان الشخصية الرئيسية في الفيلم يُطلق تعليقاً ساخرًا حول مدى تحكّم التكنولوجيا في ادق التفاصيل، فيقول «يا داهية ما يكون الحب برضه بكرت شحن».
السينما المصرية ثرية بالأفلام الرمزية التي تناولت المجتمع والسياسة والوجود، منها فيلم الأرض الذي حمل رمزية معادلة الأرض مع الكرامة والانتماء، وفيلم باب الحديد الذي استعرض التهميش والرغبات المكبوتة، وفيلم زوجة رجل مهم الذي تحدّث عن السلطة داخل البيت والمجتمع، وغيرها الكثير. غالبًا ما تختزل الأفلام واقع الإنسان وتفاصيل الحياة وتناقضاتها وحلوها ومرّها، فالسينما تصنع نموذجًا مكثّفًا جداً من الواقع.
كذلك تفعل برامج الترفيه على متن رحلات الطيران، حيث تختزل الزمن فتكون الرحلة أقصر وأكثر متعة، وإذا كانت مثل هذه التجربة قد عبرت بتحولات جذرية منذ ستينيات القرن الماضي الى اليوم، فما عساها ستحمل لنا مستقبلاً، وهل يمكن مثلًا أن تتحول الشاشة خلف المقعد الى نظارة ذكية، أو ربما قد يخلق البرنامج الترفيهي للمسافر رحلة افتراضية الى الجهة التي سيصل إليها. كثيرة هي الاحتمالات، لكن من المؤكد ان الترفيه على الطائرة أصبح ضرورة وجزءاً مهماً جدًا من الرحلة.
العصفورة نيوز موقع إخبارى نسائى