الرئيسية / أخبار / د. غدير محمد أسيري تكتب:العمران والدولة الحديثة
images (1)

د. غدير محمد أسيري تكتب:العمران والدولة الحديثة

تتحدث المدن إلى سكانها وزوارها قبل أن تتحدث عنها المؤشرات والتقارير، فالشوارع المنظمة، والواجهات المتناسقة، والحدائق العريقة، تعكس احترام الإنسان والمكان، وتمنح التنمية معناها الملموس في الحياة اليومية، ومن هنا تصبح محاربة التلوث البصري قضية حضارية واستراتيجية تنموية تستحق أن تحتل موقعاً متقدماً في أولويات التخطيط، وفي دولة الكويت، يشكل الاهتمام بجمال العمران فرصة لتعزيز الهوية الوطنية وإبراز ملامح دولة حديثة تجمع بين أصالة تراثها وطموح مستقبلها، فالتطور العمراني يكتمل حين تتكامل جودة المباني مع جمال محيطها وسهولة الوصول إليها، وتتحول المساحات العامة إلى بيئات تحتضن الناس وتشجعهم على التفاعل، إن تراكم اللوحات العشوائية غير المتناسقة، وتشوه الواجهات، وإهمال المواقع المحيطة بالمشروعات، مظاهر تحتاج أن تكون عصرية ويسودها احترام الذوق العام، وتبدأ بمعايير واضحة وتستمر بالمتابعة والصيانة، وتكتسب هذه المعالجة قيمتها عندما تشمل الأحياء السكنية والمناطق التجارية والصناعية، بحيث يصبح المشهد الجميل حقاً عاماً يستفيد منه الجميع، وترجمة عملية لكفاءة الإدارة وحسن توظيف الموارد، كما أن إدماج الاعتبارات الجمالية منذ مرحلة التصميم يحمي المال العام من كلفة التصحيح المتكرر، ويجعل كل مشروع إضافة متجانسة إلى المدينة المتطورة.
وتتيح المشروعات البيئية مدخلاً عملياً لبناء هذه الثقافة، عبر ربط التشجير بتظليل الممرات، وتنظيم الأرصفة، وتحسين الإنارة، واختيار نباتات تتلاءم مع المناخ وتراعي كفاءة استهلاك المياه، فالجمال المستدام ثمرة تخطيط يفهم طبيعة المكان واحتياجات مستخدميه، وتقدم باريس مثالاً عالمياً إيجابياً في هذا الاتجاه، من خلال برنامج تجميل الأحياء الذي يجمع بين زيادة المساحات المزروعة، وتطوير مسارات المشاة والدراجات، وتحسين تجهيزات الشوارع، وإشراك السكان في تحديد أولويات التطوير، وتوضح هذه التجربة كيف يمكن تحويل التجميل إلى عمل متكامل يرتبط باستخدام الفضاء العام ويمنح المجتمع دوراً في تشكيل بيئته، ويمكن لدولة الكويت الاستفادة من هذا النهج بما يناسب خصوصيتها المناخية والعمرانية، عبر تطوير مسارات مظللة، وحدائق قريبة من المنازل، وساحات تجمع بين الراحة والجاذبية، مع حماية الطابع المعماري المحلي وتنظيم الإعلانات وألوان وخطوط الكتابة على الواجهات، والأهم أن تقترن أعمال الإنشاء بخطط تشغيل وصيانة معلنة، ومؤشرات تقيس جودة الاستخدام ورضا السكان واستمرارية العناية، حتى يحافظ المشروع على قيمته بعد افتتاحه، ويظل الاستثمار البيئي مصدراً دائماً لتحسين الحياة وتعزيز ارتباط الإنسان بمدينته وأحيائه ومساحاته المشتركة على امتداد السنوات.

إن ترسيخ ثقافة التجميل يحتاج إلى شراكة تتكامل فيها مسؤوليات المؤسسات العامة والقطاع الخاص والمجتمع، فالبلديات تضع المعايير وتتابع الالتزام، والمطورون يترجمونها إلى تصاميم متقنة، والمؤسسات التعليمية والإعلامية تعزز الوعي بقيمة المكان، ويسهم المواطن والمقيم في حمايته والمحافظة على نظافته، ويمكن دعم هذه الشراكة بمسابقات للأحياء الأجمل، وحوافز لتأهيل الواجهات، ومبادرات لتبني الحدائق، وقنوات ميسرة للإبلاغ عن التشوهات ومتابعة معالجتها، كما يستحق أصحاب المشروعات الصغيرة دعماً إرشادياً يساعدهم على تحسين محالهم ضمن اشتراطات واضحة وعادلة، بما يحفظ تنوع المدينة ويمنع العشوائية، وحين تتكامل هذه الجهود، يمكن للمشهد الحضري الجاذب أن يدعم السياحة والتجارة، ويشجع المشي والتواصل الاجتماعي، ويعزز الثقة بقدرة المؤسسات على الإنجاز، وتمتلك دولة الكويت من الخبرات والطاقات الإبداعية ما يؤهلها لصناعة تجربة عمرانية متميزة، تبدأ من تفاصيل الشارع وتمتد إلى المشروعات الكبرى، وبإرادة مؤسسية متواصلة ومشاركة مجتمعية واعية، يصبح المستقبل أكثر اخضراراً وتنظيماً وجمالاً، وتغدو التنمية مشهداً يراه الناس كل يوم، وقيمة يعيشونها، ومسؤولية يعتزون بحملها إلى الأجيال المقبلة بكل ثقة وتفاؤل.

ودُمتم سالمين،،،

*د. غدير محمد أسيري ..القبس

شاهد أيضاً

images

5 نصائح لمواجهة الخمول مع تغيّر الفصول

ريم قاسم – غالباً ما يؤدي تغيير الفصل إلى الشعور بإرهاق مستمر ورغبة شديدة في …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com