بقلم /سوزان جويلي
هناك أيامٌ لا تُطوى صفحاتها بمرور الزمن، بل تظل حاضرةً في ذاكرة الأوطان، تنبض بالعزة والكرامة، وتروي للأجيال حكايات البطولة والإرادة. ويأتي السادس من أكتوبر عام 1973 في مقدمة تلك الأيام الخالدة في تاريخ مصر، يومٌ تحوّل فيه الإيمان بالوطن إلى فعلٍ عظيم، واستعادت فيه الإرادة المصرية ثقتها بقدرتها على تجاوز الصعاب وصناعة النصر.
وفي أجواء الاحتفاء بهذه الذكرى الوطنية المجيدة ، تشرفتُ بتلبية الدعوة الكريمة لحضور حفل، لحضور حفل الاستقبال الذي أُقيم بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات السادس من أكتوبر، في مشهدٍ يجدد الاعتزاز ببطولات القوات المسلحة المصرية، ويستحضر تضحيات رجالٍ كتبوا بدمائهم وإرادتهم صفحةً مضيئةً في سجل التاريخ.
من عبور القناة إلى عبور الهزيمة نحو النصر
لم يكن السادس من أكتوبر يومًا عسكريًا عابرًا، بل كان نقطة تحوّل فارقة في تاريخ مصر الحديث، ودليلًا على أن الشعوب القادرة على استنهاض إرادتها تستطيع أن تواجه التحديات مهما عظمت.
ففي العاشر من رمضان عام 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973، انطلقت القوات المسلحة المصرية في عملية عسكرية جسّدت دقة التخطيط وشجاعة التنفيذ وروح التضحية. وعبرت القوات قناة السويس، واقتحمت خط بارليف، ذلك الحاجز الدفاعي الذي رُوّج طويلًا لصعوبة اجتيازه، لتبدأ ملحمة وطنية أعادت الثقة إلى النفوس، وأثبتت أن التفوق المادي لا يستطيع وحده حسم المعارك أمام إرادةٍ تعرف غايتها وتؤمن بحقها.
وكان العبور أكثر من انتقالٍ من ضفة إلى أخرى؛ فقد كان عبورًا من مرارة الانكسار إلى رحابة الأمل، ومن ثقل التحديات إلى استعادة الثقة بالقدرة على الفعل والإنجاز. كما مثّل استردادًا للكرامة الوطنية، ومهّد الطريق أمام مسارٍ سياسي انتهى باستعادة سيناء كاملة ، بقيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات، قائد النصر والسلام .
لقد اجتمعت في تلك الملحمة عناصر النجاح؛ من التخطيط العسكري الدقيق والتنسيق بين الأسلحة المختلفة، إلى بسالة الجنود وإخلاصهم، وإيمانهم بأن الدفاع عن الأرض واجبٌ لا يقبل التراجع. وكانت صور الجنود وهم يعبرون القناة ويرفعون العلم المصري على الضفة الشرقية مشاهدَ تجاوزت حدود الميدان، لتستقر في وجدان المصريين والعرب رمزًا للعزة والقدرة على استعادة الحقوق.
بطولة الإنسان قبل سلاحه
إن الحديث عن نصر أكتوبر لا يكتمل باستعراض الخطط العسكرية والإنجازات الميدانية وحدها؛ فخلف كل إنجازٍ رجالٌ آمنوا بوطنهم، وحملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا إلى الميدان وهم يدركون أن طريق النصر محفوف بالتضحيات.
وفي مقدمة هؤلاء الشهداء الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، والجرحى الذين حملوا آثار المعركة، وكل جندي وضابط أدّى واجبه بإخلاص وشجاعة. كما لا يمكن إغفال الدور الذي أدّاه الشعب المصري، بما أبداه من تماسكٍ ومساندةٍ وصبر، في صورةٍ جسّدت وحدة الجبهة الداخلية والتفافها حول قواتها المسلحة.
لقد علّمنا أكتوبر أن النصر لا تصنعه القوة وحدها، وإنما تصنعه كذلك العزيمة، وحسن الإعداد، ووحدة الهدف، والقدرة على تحويل الإيمان إلى عمل. ولهذا بقيت ذكراه أكبر من احتفالٍ سنوي؛ فهي مناسبة لاستحضار قيم الانتماء والمسؤولية، وتذكير الأجيال بأن الأوطان لا تُصان بالأمنيات، بل بالعمل والعلم والتضحية والإخلاص.
ذكرى تتجدد ومسؤولية تنتقل إلى الأجيال
تكتسب ذكرى السادس من أكتوبر أهميتها من قدرتها على وصل الماضي بالحاضر، واستلهام دروس التاريخ في بناء المستقبل. فالأجيال التي لم تعش أيام الحرب مطالبة بأن تتعرّف إلى أحداثها، وأن تدرك ما بذله الآباء والأجداد من تضحيات حتى تستعيد مصر أرضها وكرامتها.
وليس الوفاء لأبطال أكتوبر مقتصرًا على استعادة ذكريات المعركة أو رفع الشعارات، بل يتجلى في الحفاظ على الوطن، وصون مكتسباته، وإتقان العمل، والتمسك بالعلم والمعرفة، وتعزيز قيم الوحدة والتكافل. فكل جيلٍ يحمل أمانةً تجاه وطنه، وله معركته الخاصة التي يخوضها بالبناء والإبداع وتحمل المسؤولية.
ومن هنا، يظل السادس من أكتوبر مدرسةً وطنيةً متجددة، نتعلم منها أن الثقة بالنفس لا تنفصل عن الإعداد، وأن الطموح لا يثمر دون عمل، وأن إرادة الشعوب قادرة على فتح أبوابٍ قد تبدو مغلقة حين تتوافر الرؤية والإرادة والتكاتف.
القنصلية المصرية في الكويت.. جسور تواصل مع أبناء الجالية
وفي سياق هذه المناسبة، تبرز أهمية الدور الذي تضطلع به المؤسسات الدبلوماسية في الحفاظ على الروابط الوطنية وتعزيز التواصل مع أبناء الجالية في الخارج. وتؤدي القنصلية المصرية في دولة الكويت دورًا مهمًا في خدمة المواطنين المصريين، وإتاحة قنوات التواصل معهم، وتقديم الإرشادات المتعلقة بالخدمات القنصلية، إلى جانب الاهتمام بالتواصل في الظروف الطارئة والوفيات، بما يعكس أهمية وجود جهةٍ رسمية قريبة من احتياجات المواطنين وشؤونهم.
كما تمثّل المناسبات الوطنية التي تحرص البعثات المصرية على إحيائها فرصةً لتعزيز مشاعر الانتماء، وجمع أبناء الجالية حول تاريخ وطنهم ورموزه، وتأكيد أن البعد عن الوطن لا يقطع الصلة به، بل قد يجعل التمسك بذكرياته وهويته أكثر حضورًا في الوجدان.
وقد شكّل حفل الاستقبال الذي أُقيم بهذه المناسبة مساحةً للاحتفاء بذكرى وطنية عزيزة، وتجديد الاعتزاز ببطولات القوات المسلحة المصرية، في أجواءٍ تعكس عمق الصلات بين الوطن وأبنائه في دولة الكويت الشقيقة. وتبقى الدعوة الكريمة من القنصل شريف بدير موضع تقدير ، لما تحمله من معنى المشاركة في مناسبةٍ تتجاوز حدود الاحتفال إلى استحضار تاريخٍ من التضحية والفخر.
أكتوبر.. نصرٌ لا يغيب عن الذاكرة
يبقى السادس من أكتوبر علامةً مضيئةً في تاريخ مصر، وشاهدًا على أن الإرادة حين تقترن بالإعداد والإيمان بالهدف تستطيع أن تغيّر مجرى الأحداث. ففي هذا اليوم، لم يكن العبور مجرد انتصارٍ في ميدان القتال، بل كان استعادةً للثقة، وإحياءً للأمل، ورسالةً تؤكد أن كرامة الأوطان وحقوقها تستحق البذل والتضحية.
وبعد ثلاثةٍ وخمسين عامًا، تظل ذكرى أكتوبر حاضرةً بما تحمله من معانٍ عميقة، يتقدمها الوفاء للشهداء، والتقدير للمقاتلين، والاعتزاز بالمؤسسة العسكرية، والإيمان بقدرة مصر على مواصلة مسيرتها نحو المستقبل.
تحيةً لأبطال السادس من أكتوبر، ولأرواح الشهداء الذين ارتقوا دفاعًا عن تراب الوطن، ولكل من أسهم في صناعة ذلك المجد. وتحيةً لمصر، التي ظل نصر أكتوبر في ذاكرتها رمزًا للعزة واستعادة الحق، ودليلًا على أن التاريخ لا يخلّد الأيام وحدها، بل يخلّد إرادة الشعوب التي تصنع فيها الفارق.
فالأوطان التي تعرف كيف تنهض من التحديات، تعرف كيف تصون انتصاراتها، وتجعل من أمجاد الماضي قوةً تدفعها نحو المستقبل
العصفورة نيوز موقع إخبارى نسائى