أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار / د. سناء العصفور تكتب:مؤتمر العمل العربي.. لحظة لإعادة صياغة أولويات العمل والتنمية
د. سناء العصفور
د. سناء العصفور

د. سناء العصفور تكتب:مؤتمر العمل العربي.. لحظة لإعادة صياغة أولويات العمل والتنمية

*بقلم: د. سناء العصفور/رئيس لجنة المرأة بالاتحاد العام لعمال الكويت

انطلقت في القاهرة أعمال الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي، برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبمشاركة واسعة لأطراف الإنتاج الثلاثة من 21 دولة عربية، في مشهد يعكس أهمية هذا المؤتمر باعتباره أحد أبرز المنابر العربية التي تجمع الحكومات وأصحاب الأعمال والعمال حول طاولة واحدة لمناقشة قضايا العمل والتنمية ومستقبل أسواق العمل العربية.
ولا تأتي أهمية هذه الدورة من كونها اجتماعًا دوريًا لمنظمة العمل العربية فحسب، وإنما من توقيتها أيضًا؛ فالمنطقة العربية تقف أمام مرحلة متسارعة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمناخية، بينما تواجه أسواق العمل تحديات متشابكة تتعلق بالتشغيل والبطالة، وتنمية المهارات، والتحول الرقمي، والانتقال الأخضر، ودعم المؤسسات الناشئة، إلى جانب الحاجة المستمرة إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة في عالم العمل.
ومن هنا، فإن عنوان التقرير الرئيسي للمؤتمر، «النمو الاقتصادي المستدام: نحو تنمية اجتماعية شاملة وعادلة في الدول العربية»، يحمل دلالة تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر، إذ يطرح سؤالًا جوهريًا حول الكيفية التي يمكن بها تحويل النمو الاقتصادي من مجرد مؤشرات وأرقام إلى تحسين حقيقي في حياة الإنسان، وتوفير فرص عمل لائقة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان استفادة مختلف فئات المجتمع من ثمار التنمية.
الحوار الاجتماعي.. نقطة القوة العربية
أعتقد أن أهم ما يميز مؤتمر العمل العربي هو طبيعته الثلاثية، فالحكومات وأصحاب الأعمال والعمال لا يجتمعون فقط لعرض وجهات النظر، وإنما تتاح أمامهم فرصة حقيقية لبناء توافقات عربية حول قضايا تمس مستقبل الملايين من العاملين وأسرهم….وفي ظل التحولات الحالية، لم يعد الحوار الاجتماعي ترفًا أو إجراءً بروتوكوليًا، بل أصبح ضرورة لتحقيق الاستقرار في أسواق العمل، وخلق بيئة إنتاجية قادرة على المنافسة، وتحقيق التوازن بين مصالح العامل وصاحب العمل والدولة…ومن المهم أن يتحول هذا الحوار من توصيات وقرارات إلى سياسات قابلة للتنفيذ، تراعي الخصوصيات الوطنية للدول العربية، وفي الوقت نفسه تستفيد من التجارب الناجحة التي يمكن أن تقدمها الدول الأعضاء في منظمة العمل العربية.
المرأة العربية.. شريك كامل في التنمية
ومن موقعنا كنساء عاملات وقيادات نقابية، فإن قضايا المرأة يجب أن تكون حاضرة في صميم هذه الرؤية العربية لمستقبل العمل…فالحديث عن التنمية الاجتماعية الشاملة والعادلة لا يمكن أن يكتمل من دون تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، ودعم وصولها إلى فرص العمل اللائق، وتنمية مهاراتها، وفتح المجالات أمامها في القطاعات الجديدة المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والأخضر، إلى جانب توفير بيئة عمل آمنة تحميها من مختلف أشكال التمييز والتحرش…كما أن دعم المرأة لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره ملفًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاقتصاد؛ فالمرأة تمثل جزءًا أساسيًا من قوة العمل العربية، والاستثمار في تعليمها وتدريبها وتمكينها اقتصاديًا هو استثمار مباشر في التنمية والإنتاج والاستقرار الأسري والمجتمعي.
وفي هذا السياق، فإن تجربة لجنة شؤون عمل المرأة العربية، وما يصدر عنها من رؤى وتوصيات، تكتسب أهمية خاصة في بناء تصور عربي أكثر تكاملًا لدور المرأة في عالم العمل المتغير.
تغير المناخ.. تحدٍ جديد للعمال وأصحاب الأعمال
ويأتي ملف التغيرات المناخية وتأثيراتها على بيئة العمل ضمن أبرز الملفات التي يناقشها المؤتمر، وهو ملف لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره قضية بيئية فقط…فالظواهر المناخية المتطرفة تؤثر بصورة مباشرة على صحة العمال وسلامتهم، وعلى قدرة المنشآت على استمرار الإنتاج، وعلى تكلفة التشغيل والإنتاجية، وهو ما يجعل إدماج المخاطر المناخية في منظومات السلامة والصحة المهنية ضرورة متزايدة.
والمنطقة العربية، بحكم ظروفها المناخية والجغرافية، مطالبة بتطوير سياسات أكثر فاعلية للتكيف مع هذه التغيرات، مع حماية العمال وتعزيز جاهزية المنشآت، وبناء قدرات العاملين وأجهزة التفتيش والسلامة والصحة المهنية…وهنا تبرز أهمية التعاون العربي في تبادل الخبرات والممارسات الجيدة، حتى لا تواجه كل دولة هذه التحديات منفردة.
المؤسسات الناشئة.. مستقبل مختلف للعمل
أما مناقشة موضوع المؤسسات الناشئة في ظل التحول الرقمي، فهي تعكس إدراكًا مهمًا لطبيعة التحولات التي يشهدها عالم العمل…فالشباب العربي لم يعد ينتظر فقط الوظيفة التقليدية، وإنما أصبح جزءًا من منظومة جديدة تقوم على ريادة الأعمال والابتكار والتكنولوجيا والعمل عن بُعد والمنصات الرقمية.
لكن إطلاق طاقات المؤسسات الناشئة يحتاج إلى بيئة تشريعية وتمويلية ورقمية مناسبة، وإلى تدريب حقيقي يربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الجديد…ومن الضروري كذلك ألا يؤدي التحول الرقمي إلى خلق أشكال جديدة من العمل الهش، بل أن يكون مدخلًا لتوسيع مفهوم العمل اللائق ليشمل العاملين في الاقتصاد الرقمي والمنصات الحديثة، بما يحفظ حقوقهم ويضمن لهم الحماية الاجتماعية المناسبة.
مناقشة البطالة إلى صناعة فرص العمل
ويكتسب إطلاق الإصدار التاسع من تقرير التشغيل والبطالة في الدول العربية أهمية خاصة؛ لأن امتلاك البيانات الدقيقة يمثل نقطة البداية لأي سياسة ناجحة في مجال التشغيل…فالتحدي العربي لم يعد فقط في قياس معدلات البطالة، وإنما في فهم طبيعة الوظائف التي ستحتاجها اقتصاداتنا خلال السنوات المقبلة، والمهارات المطلوبة، والقطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص عمل مستدامة…وهنا تتكامل قضية التدريب المهني مع سياسات التشغيل والاستثمار والتعليم؛ فلا يمكن أن نطالب الشباب بالاندماج في سوق عمل جديد من دون أن نوفر لهم المهارات التي يحتاجها هذا السوق.
الكويت ومصر.. نموذج للتعاون العربي
وتأتي مشاركة دولة الكويت في أعمال المؤتمر انطلاقًا من إيمانها بأهمية العمل العربي المشترك، ودور منظمة العمل العربية في تقريب وجهات النظر بين أطراف الإنتاج، وتبادل الخبرات والتجارب في مختلف مجالات العمل….كما أن انعقاد المؤتمر في جمهورية مصر العربية يحمل دلالة مهمة، فمصر تمثل ثقلًا عربيًا كبيرًا، واستضافتها لهذا الحدث تؤكد مكانة القاهرة باعتبارها مساحة للحوار العربي حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والعمالية…والأهم أن ما يدور داخل قاعات المؤتمر ينبغي ألا يبقى محصورًا في أوراق وتقارير وتوصيات، وإنما يتحول إلى سياسات وبرامج تستفيد منها الشعوب العربية، وتنعكس على حياة العامل، وعلى فرص الشباب، وعلى قدرة المرأة على المشاركة، وعلى استقرار المؤسسات ونموها.
المطلوب بعد المؤتمر.. متابعة التنفيذ
لقد انطلق المؤتمر بالفعل، وبدأت المناقشات حول هذه الملفات وغيرها، لكن التقييم الحقيقي لنجاح الدورة الثانية والخمسين لن يتوقف عند جودة النقاشات، وإنما سيقاس بمدى قدرة الدول العربية وأطراف الإنتاج الثلاثة على تحويل مخرجات المؤتمر إلى خطوات عملية…إن عالم العمل يتغير بسرعة، ولا ينتظر القرارات التقليدية… ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعاون عربي أكثر مرونة، وحوار اجتماعي أكثر فاعلية، وسياسات تشغيل أكثر ارتباطًا بالاستثمار والتعليم والتكنولوجيا، وحماية اجتماعية تواكب أشكال العمل الجديدة…ومن هنا أرى أن الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي تمثل فرصة مهمة لإعادة ترتيب أولوياتنا العربية، والانتقال من التعامل مع تحديات سوق العمل باعتبارها أزمات منفصلة، إلى بناء رؤية متكاملة تعتبر الإنسان محور التنمية، والعمل اللائق أساسًا للاستقرار، والشراكة بين أطراف الإنتاج طريقًا للتقدم….وهذه في النهاية هي القيمة الحقيقية للعمل العربي المشترك: أن نختلف في الرؤى، ونتحاور حولها، ثم نخرج بما يمكن أن يجمعنا ويصنع فارقًا حقيقيًا في حياة العامل العربي وأسرته ومجتمعه.

شاهد أيضاً

2cf31101-cb96-4d2c-8c3b-b04214b55940

مؤتمر عربي بالقاهرة يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على سوق العمل

انطلقت في القاهرة، الدورة الثانية والخمسون لمؤتمر «العمل العربي»، بحضور 21 دولة، على أن تبحث …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com