بقلم ..محمد مهلهل الياسين
أصبحت منصات التواصل الاجتماعي اليوم ساحة مفتوحة للنقاش وتبادل الآراء وفي الوقت ذاته تحولت إلى أحد أبرز مصادر المعلومات لدى شرائح واسعة من المجتمع ورغم ما وفرته من مساحة غير مسبوقة لحرية التعبير فإنها أوجدت تحديا حقيقيا يتمثل في طغيان الرأي الشخصي على الحقيقة والانطباع على الدليل حتى أصبح كثير من النقاشات يدار وفق الأهواء والميول لا وفق الوقائع والأرقام
فالإنسان بطبيعته يميل إلى الدفاع عن قناعاته لكن المجتمعات الواعية لا تقيس صحة الآراء بمدى انتشارها أو عدد المؤيدين لها وإنما بمدى استنادها إلى الأدلة والبيانات الموثقة فالرأي قد يكون صائبا أو خاطئا أما الأرقام الصحيحة فهي لغة عالمية لا تعرف المجاملة ولا تنحاز إلى الأشخاص أو الجماعات بل تعكس الواقع كما هو
وفي عالم التواصل الاجتماعي أصبحت سرعة النشر تفوق سرعة التحقق وأصبح كثير من المستخدمين يتبنون مواقفهم قبل الاطلاع على الحقائق فتنتشر الشائعات خلال دقائق وتتداول المقاطع المجتزأة وتبنى الأحكام على عناوين مثيرة أو معلومات ناقصة بينما تغيب الدراسات والإحصاءات والتقارير الرسمية عن دائرة الاهتمام رغم أنها الأكثر قدرة على رسم الصورة الحقيقية
إن لغة الأرقام ليست مجرد جداول وإحصاءات جامدة بل هي أداة لفهم الواقع واتخاذ القرار السليم فالدول المتقدمة لا تضع سياساتها الاقتصادية أو الصحية أو التعليمية أو الأمنية بناء على الانطباعات وإنما تستند إلى مؤشرات الأداء والدراسات العلمية والإحصاءات الرسمية لأنها الوسيلة الأكثر دقة لتشخيص المشكلات وقياس النتائج
كما أن المؤسسات الرقابية والقضائية والإعلام المهني تعتمد على الأدلة والبيانات في تقييم الأداء ومحاسبة المسؤولين لأن العدالة لا تبنى على الانطباعات بل على الوقائع المثبتة ومن هنا فإن احترام لغة الأرقام لا يعني إلغاء حرية الرأي بل يعني أن يكون الرأي مبنيا على أساس متين لا على العاطفة أو التحيز
وفي الكويت كما في غيرها من الدول تصدر الجهات الرسمية بصورة دورية تقارير وإحصاءات تتعلق بالاقتصاد والصحة والتعليم والأمن والمرور والخدمات العامة وهذه البيانات تمثل مرجعا مهما لكل من يريد تقييم الأداء أو طرح النقد أو تقديم الحلول فالنقد المسؤول لا يكتمل إلا إذا استند إلى أرقام صحيحة كما أن الإشادة بالإنجاز لا تكون ذات قيمة إلا إذا دعمتها مؤشرات قابلة للقياس
ومن المؤسف أن بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يخلطون بين الشعبية والمصداقية فيظنون أن كثرة المشاهدات أو الإعجابات دليل على صحة المحتوى بينما الواقع يثبت أن المحتوى المثير ينتشر أسرع من المحتوى الدقيق وأن الحقيقة تحتاج أحيانا إلى وقت حتى تصل بينما تنتشر المعلومة الخاطئة كالنار في الهشيم
لذلك فإن المسؤولية لا تقع على المؤسسات وحدها بل تشمل أيضا كل مستخدم لهذه المنصات فقبل إعادة نشر أي معلومة ينبغي التحقق من مصدرها ومقارنتها بالبيانات الرسمية أو المصادر الموثوقة وعدم الانجراف خلف العناوين المثيرة أو الحملات الموجهة التي تستهدف التأثير في الرأي العام بعيدا عن الحقائق
إن بناء مجتمع واع يبدأ ببناء ثقافة تحترم الدليل وتعلي من قيمة المعرفة وتجعل من الأرقام مرجعا للحوار لا خصما للرأي فالرأي الحر قيمة عظيمة لكنه يزداد قوة واحتراما عندما يستند إلى حقائق ثابتة ويضع المصلحة العامة فوق الميول الشخصية
وفي الختام فإن الأهواء تتغير بتغير الأشخاص والظروف أما الحقائق المدعومة بالأرقام والبيانات فتبقى ثابتة وقابلة للتحقق ولهذا فإن المجتمعات التي تعتمد لغة الأرقام في النقاش وتخضع الأفكار للبرهان هي الأكثر قدرة على مواجهة الشائعات وصناعة القرار الرشيد وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة وبناء رأي عام ناضج يقود إلى التنمية والاستقرار لا إلى الجدل والانقسام
العصفورة نيوز موقع إخبارى نسائى