أخبار عاجلة
الرئيسية / تحقيقات وتقارير / محمد مهلهل الياسين يكتب :عندما تصنع القدوة الزائفة ويهمش المعلم وتستهدف الأسرة
IMG-20251223-WA0028

محمد مهلهل الياسين يكتب :عندما تصنع القدوة الزائفة ويهمش المعلم وتستهدف الأسرة

بقلم /محمد مهلهل الياسين

لم تعد التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة محصورة في الاقتصاد أو السياسة، بل امتدت إلى العمق الأخطر: الأسرة، التعليم، والقدوة. فحين تضرب هذه الركائز الثلاث، لا تنهار مؤسسة بل يتصدع كيان أمة.

وفي الكويت، نحن اليوم أمام مشهد لا يجوز تجاهله ولا تبريره، لأن نتائجه لا تقاس بلحظة، بل بجيل كامل قادم.

– الأسرة أولا… حين يشوه دور الأم باسم التحرر

الأم ليست دورا ثانويا في المجتمع، بل هي مصنع القيم الأول.
ومع ذلك، نشهد خطابا إعلاميا واجتماعيا متزايدا يسفه من قيمة الأمومة، ويصور ربة البيت كرمز للتخلف، ويستبدل بها نموذجا استعراضيا استهلاكيا بعيدا عن جوهر الرسالة التربوية.

لسنا ضد عمل المرأة، فذلك حق مكفول، لكننا ضد نزع القيمة عن الدور التربوي للأم وكأنه عبء لا رسالة.

وهنا يتصادم هذا المسار مباشرة مع المادة 9 من الدستور الكويتي التي نصت بوضوح:
“الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن، ويحرص القانون على كيانها ويقوي أواصرها ويحمي في ظلها الأمومة والطفولة.”

فأي تناقض أكبر من أن يحمي الدستور الأمومة ويجلدها الخطاب العام.

– التعليم تحت الضغط… حين تتحول المدرسة إلى مشروع لا رسالة

شهد التعليم الخاص توسعا كبيرا في السنوات الأخيرة، لكن هذا التوسع في كثير من حالاته جاء بعقلية تجارية بحتة، حيث أصبحت المدرسة مشروعا استثماريا قبل أن تكون مؤسسة تربوية.

وفي هذا السياق، كان الضحية الأولى هو المعلم.
تراجعت مكانته، ضعفت هيبته، أنهك إداريا، وجرد من دوره التربوي لصالح إرضاء العميل.

وهنا نكون قد ضربنا التعليم في أخطر نقطة: هيبة المعلم.

بينما نصت المادة 10 من الدستور على:
“ترعى الدولة النشء وتحميه من الاستغلال ومن الإهمال الأدبي والجسدي والروحي.”

فكيف يتحقق ذلك:
ومعلم محبط؟
ومنهج مفرغ؟
ومدرسة تدار بعقلية السوق؟

التعليم الذي بلا رسالة ينتج أجيالا بلا اتجاه.

– القدوة المقلوبة… حين تستبدل القيم بالمتابعين

لم تعد القدوة في نظر كثير من الشباب عالما، أو مربيا، أو صاحب إنجاز، بل أصبحت فاشنستا، أو مؤثرا، أو مشهورا استعراضيا.

تقاس القيمة بعدد المتابعين لا بعمق الأثر،
ويسوق الترف كنجاح،
ويقدم الاستعراض كإنجاز.

وفي المقابل، تراجعت صورة المعلم، والباحث، والعالم، وصاحب المشروع الحقيقي.

وهنا نكون أمام انقلاب في ميزان القدوة.

وهذا يمس جوهر المادة 12 من الدستور التي أكدت:
“تحافظ الدولة على التراث الإسلامي والعربي، وتسهم في رقي الحضارة الإنسانية.”

فأي رقي حضاري نرجوه حين يكون النموذج الأعلى للشباب مشهورا بلا رسالة، ومؤثرا بلا فكر، وفاشنستا بلا قضية.
– الإعلام بين الحرية والمسؤولية… من يصنع الوعي

الإعلام ليس مرآة فقط، بل صانع وعي.
وعندما يلهث خلف الترند، ويضخم السطحي، ويسقط الجاد، فإنه لا ينقل الواقع بل يعيد تشكيله بشكل مشوه.

حرية الإعلام مكفولة، نعم، لكن المادة 36 من الدستور قرنتها بحدود القانون والمسؤولية.

فالحرية لا تعني تسويق التفاهة، ولا هدم الرموز، ولا تطبيع السطحية، بل تعني حرية مسؤولة تحمي الذوق العام والوعي العام.
– التعليم الخاص… سؤال الجودة قبل سؤال العدد

لسنا ضد التعليم الخاص، لكننا ضد تحويل التعليم إلى سلعة.
فكثرة المدارس لا تعني جودة التربية،
وتنوع المناهج لا يعني عمق القيم.

والأخطر أن بعض المؤسسات التعليمية أصبحت تركز على الشكل:
ديكور، أنشطة استعراضية، صور على وسائل التواصل الاجتماعي،
بينما تهمل الجوهر: الهوية، القيم، والانتماء.

– منظومة متكاملة للتفكيك… لا ظواهر منفصلة

عندما نجمع المشهد كاملا، نرى بوضوح:
أم تجلد اجتماعيا،
معلم يهمش مهنيا،
قدوة تستبدل استعراضيا،
إعلام يلهث خلف الترند،
تعليم يدار بعقلية الربح.

هذه ليست أزمات متفرقة، بل منظومة تفكيك ناعمة.
تفكيك بلا ضجيج،
وبلا بيانات،
وبلا دبابات،
لكنه أخطر.
الدستور ليس للزينة… بل للحماية

المواد 9 و10 و12 من الدستور الكويتي ليست نصوصا أدبية، بل التزامات سيادية.

وأي دولة لا تحمي أسرتها، وتعليمها، وقدوتها، فهي تفتح الباب لتآكلها من الداخل ولو كانت ميزانيتها مليارية.

– الخاتمة: هذه معركة وعي… لا معركة شعارات

ما نحتاجه اليوم ليس حملات مؤقتة، ولا تصريحات إنشائية، بل مراجعة جذرية للمنظومة القيمية والإعلامية والتربوية.

لأن الدولة التي تخسر قيمها…
تخسر مستقبلها قبل أن تشعر.

شاهد أيضاً

1337687-2

عند الشراء عبر موقع وتطبيق «بست اليوسفي»..«الخليج» يمنح عميلات «روز غولد» خصومات 50%

ضمن جهوده المتواصلة لمكافأة عملائه، وبمناسبة حلول العام الجديد، أعلن بنك الخليج بالتعاون مع بست …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com