د. سهير المهندي د. سهير بنت سند المهندي الناصية تكتب: حين تحاكم الخوارزميات الضمير.. من يدافع عن الإنسان؟ 6 فبراير، 2026 أخبار, تحقيقات وتقارير اضف تعليق 59 زيارة مقالات مشابهة ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة المنسق المقيم في الكويت تؤكد أهمية المشاركة الكاملة للمرأة في صنع القرار 31 يناير، 2026 سفير فرنسا لدى الكويت : القيادات النسائية شريك أساسي في مستقبل الاقتصاد 31 يناير، 2026 الكويت ..معرض مجلة العربي يسلط الضوء على دور المرأة العربية ضمن مهرجان القرين الثقافي الـ 31 31 يناير، 2026 لم تعد قاعات المحاكم كما كانت، ولم يعد الصمت الذي يسبق النطق بالحكم بريئاً كما عرفناه، ثمة شاشة مضيئة تشارك القاضي نظره، وثمة خوارزمية غير مرئية تهمس بالأرقام والاحتمالات، وثمة محامٍ يقف وفي يده ورق دفاع لم يعد مكتوباً فقط بحبر الاجتهاد، بل بحسابات الذكاء الاصطناعي أيضاً، منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل سيصدر الحكم؟ بل كيف صدر، ومن الذي شارك في صناعته؟ دخل الذكاء الاصطناعي إلى العدالة الجزائية بوصفه حلاً تقنياً لأزمات مزمنة: بطء الفصل، تكدس القضايا، وتفاوت الأحكام. أرقام دولية تشير إلى أن استخدام الأنظمة الذكية في تحليل السوابق وتقييم المخاطر أسهم في تسريع البت في القضايا بنسبة تقارب 30% في بعض الدول، وخفّض نسب العودة للجريمة وفق تقديرات رسمية، غير أن الصدمة لم تكن في هذه الأرقام، بل في نتائج موازية أظهرت أن الخوارزميات أخطأت في تصنيف المتهمين بنسب وصلت إلى 20%، وأن هذا الخطأ لم يكن محايداً دائماً، بل متأثراً بتاريخ اجتماعي وقانوني غير عادل، وهنا تكمن المفارقة القاسية: الآلة لا تظلم، لكنها تحفظ ذاكرة الظلم وتعيد إنتاجه بدقة باردة. القاضي، وهو صانع الحكم الأخير، يجد نفسه أمام معادلة جديدة، لم يعد يعتمد فقط على تقديره الشخصي وسلطته التقديرية، بل بات يستأنس –أو أحياناً يتكئ– على توصيات ذكية تُصنّف المتهم وتقدّر خطورته وتستشرف مستقبله، غير أن العدالة الجزائية لا تُقاس بالاحتمالات، ولا تُبنى على التنبؤ وحده، فهي مساحة تتقاطع فيها النصوص مع الضمير، والعقوبة مع الرحمة، والقاعدة مع الاستثناء الإنساني الذي لا تفهمه الخوارزميات. وفي مواجهة هذا التحول، يقف المحامي، القاضي الواقف كما سماه الفقه القانوني، في معركة لا تقل تعقيداً، لم تعد المرافعة مجرد فن بلاغي أو مهارة تفسير قانوني، بل أصبحت في كثير من الأنظمة نتاج تحليل ذكي للسوابق، وقوائم رئيسة مكتوبة في أوراق الدفاع تقترح الحجج الأكثر تأثيراً، وتستبعد ما تعتبره الخوارزمية ضعيف الأثر، تشير بيانات مهنية إلى أن مكاتب قانونية اعتمدت هذه الأدوات رفعت نسب النجاح في القضايا الجزائية بنحو 15%، رقم مغرٍ، لكنه يطرح سؤالاً خطيراً: هل تتحول المرافعة إلى منتج تقني، وتُختزل الحرية الإنسانية في قائمة توصيات؟ الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في أن يصبح لغة مشتركة صامتة بين القاضي والمحامي، لغة دقيقة لكنها بلا إحساس، فإذا كان القاضي يستأنس بحكم ذكي، والمحامي يدافع بورق صاغته خوارزمية، فمن الذي يتحدث باسم الإنسان؟ من الذي يروي القصة الكاملة خلف الفعل، ويعيد الاعتبار للظرف، وللندم، وللخطأ البشري الذي لا يُقاس رقمياً؟ بعض الدول أدركت هذا المأزق مبكراً، فوضعت قيوداً صارمة تحظر الاعتماد الحاسم على الذكاء الاصطناعي في الأحكام الجزائية، وتُلزم بالشفافية وحق الطعن في التوصيات الخوارزمية، إدراكٌ عميق بأن العدالة إذا فقدت بعدها الإنساني تحولت إلى إدارة عقوبات، لا إلى ميزان حق. يبدو المشهد أكثر وضوحاً وأشد قلقاً، الذكاء الاصطناعي ليس خصماً للعدالة، لكنه اختبار أخلاقي لها، هو أداة قوية، لكنه بلا ضمير، بلا ذاكرة إنسانية، وبلا قدرة على الغفران، العدالة الحقيقية لا ترفض التكنولوجيا، لكنها ترفض أن تُختزل فيها، فحين تحاكم الخوارزميات وحدها، قد نربح السرعة ونخسر المعنى، وقد نكسب الدقة ونفقد الرحمة، ويبقى السؤال معلقاً في ضمير القانون: هل نريد عدالة ذكية… أم عدالة إنسانية تستخدم الذكاء بحكمة؟. *بقلم د. سهير بنت سند المهندي…اعلامية وباحثة اكاديمي ة Best free WordPress theme 2026-02-06 asfoura شاركها Facebook Twitter Google + LinkedIn