الرئيسية / أخبار / أقنعة المرأة في رواية «يطالبني بالرقصة كاملة»
رقصفغ

أقنعة المرأة في رواية «يطالبني بالرقصة كاملة»

كم هو صعب جدا على الرجل سبر أغوار الأنثى وما يجتلد في خاطرها، فإن قيل بأن الرجل لديه القدرة على ارتداء أكثر من قناع فالمرأة قادرة على ارتداء أكثر من حالة نفسية وشعورية بما يخلق منها أحيانا مخلوقات طيفية أو مجهرية لا ترى بالعين المجردة، هذا متى تجاوزنا القالب الشكلي الذي يصفها ظاهريا. فدواخل الأنثى وتفاصيلها لا تنفك غارقة بالمشاعر مبتلة بالأحلام. هذا ما استطاعت الروائية والقاصة الكويتية منى الشافعي تجليته من خلال روايتها الأخيرة الموسومة بـ«يطالبني بالرقصة كاملة»، الصادرة عن دار الوطن. وكمال هذا النص، وإن جاء مغرقا بنرجسية أنثوية متعالية، يكمن في نزوعه لاستبطان الخضوع الصامت للرجل، تنكشف هذه المعادلة من خلال شخصيتي «نورة أو منور» الزوجة الأولى ليوسف وصديقتها «فوزية أو فوز» الزوجة الثانية له، تلك التي ارتبط بها بتحريض تاريخي ونفسي وآخر صحي، تبدّى الأول من خلال علاقة منور الحميمة بصاحبة عمرها فوز، واختلاط أحلامهما بعضهما ببعض حتى تمنتا الزواج برجل واحد، وكان هو ذاته يوسف، كانت للظروف الصحية التي تعرضت لها منور أدخلتها في غيبوبة لم تدم طويلا مناط الاحتكاك الوجداني بالأحداث الصادمة التي مرت على الأسرة، لذلك وإن دشنت منى الشافعي روايتها بحوارات سريعة بين افراد العائلة المبتهجين بعودة منور الى سقف الحياة، الا أن الحيلة الذكية تكمن في ذات الانشطار الروحي والنفسي للشخصيتين الرئيسيتين منور وفوز لتقودانا إلى العمق الكامن في طبيعة المرأة. ما خلف الجدران لذلك اشتغلت الرواية بوعي الكاتبة لتصلنا بما يتوارى خلف جدران النفس الأنثوية المعبأة بكل المتناقضان الحب والكره، الحزن والفرح، الحرب والسلم، هذه الرواية تقودنا إلى عوالمها باتجاه نفسي صامت عبر منولوجات تؤطر الأحداث داخلها مستبعدة حضور الرجل الكامل، أي الزوج يوسف، إلا بقدر ما تريدانه منه تعلن عنه ذلك صراحة في قولها منولوجيا: «منذ أفاقت نورة وحتى اللحظة أصبح يناديني فوزية مع أنني نسيت اسمي مع كثرة مناداتي فوز.. يا إلهي ماذا يدور في داخلي فأحاسيس مختلطة بالفرح والحزن، وأقدام الحيرة تدوسني بوجع لا أحتمله». هذا المشهد النفسي الملتقط من جوانيات فوز يضع الخطة لمناوراتها لمحاولة تبرير اقتحامها حياة صديقة شبابها ومراهقتها المغدور بها نورة بالزواج من يوسف زوجها، مع اختلاق الكثير من المعاذير او بمعنى آخر للمعايير، منها حلمهما المراهق الأول في أن تتزوجا برجل واحد، وفي فصول لاحقة ومن خلال استرجاع مخزون الذاكرة التي تديرها فوز لتكمل حلقات تبريراتها بإحكام كان ذاك يوم كشف له سر إقباله عليها والارتباط بها، قائلا: «فوز حبيبتي تذكرين عندما تقابلنا المرة الأولى معكما أنت ومنور وصديقي ابراهيم كان معي قال لي بالحرف الواحد: اشرايك بالشقرة الحلوة المتبتبة الهادئة أحلى يا معود من صاحبتها السمرة، صج السمرة جذابة وأكثر حيوية وجريئة ولكن ملينا من البشرة السمرة، خلنا نحسن نسلنا على الأقل». ثم يقول يوسف لفوزية: «ولكن تصدقين.. كنت دائما أتمناك وأشتهيك». وكأنه يضع ثقل الشخصية الحقيقية للرجل الشرقي حينما يتلمظ لامرأة ثانية، أنه لا يبحث عن الحب بمعناه القلبي الخالص المسكون بالإخلاص والتضحية بقدر ما يبحث عن حقن غلواء الجسد، لذلك يخاطب فوز في مكان آخر بعبارات تنم عن النفعية: «أنت أعذب زوجة وأفضل أم لبناتي». ومع ذلك تصر فوز في منولوجاتها على إقناعنا بحبها ليوسف، وفي المقابل تنكش ذاكرتها مستحضرة علاقتها بنورة، من نافذة مختلفة، وكأنها تريد أن تقنع نفسها بأن الماضي الجميل والصداقة الحميمة لا يجب أن تنفرط هكذا لمجرد أنني ارتبط بزوجك، أو زوجنا الذي تمنيناه معا، هنا تكمن الورطة التي تثخن حياة الزوج يوسف بالتعاسة، ذاك الصمت البادي على محيا الزوجتين، كلاهما تنظر إليه بعين مختلفة. أكبر من العتب الزوجة الأولى منور داخلها ضجيج مكظوم، ضجيج رافض لاقتحام حياتها حتى لو كانت فوز صديقتها الأقرب إلى روحها، فهي لا تعتب، فمصابها بزوجها وصديقتها اكبر من العتب، تعبر عن ذلك بوضوح في منولوج داخلي فتقول: «ها نحن الثلاثة ككل صباح، نتناول الفطور، نحتسي القهوة و الشاي.. آه يا فوز، اعرف أنك حنونة ودودة، وتحبينني، يوحي صمتك ونظراتك أنك تطلبين الصفح والغفران، ألم تقل لك نظراتي الحادة أنني لا ولن أقبل الاعتذار، ولن أسمح بالشراكة». هكذا الزوجة الأولى لا يمكن أن ترى نفسها شريكة لأخرى برجل واحد. يطالبني بالرقصة كاملة تكشف عمق هذا الاختلاف الشعوري ما بين الزوجة الأولى والزوجة الثانية التي لا تطلب أكثر من الاستئثار بالزوج، ومتى رأت ذاك الجفاء اللعين بدأ يتسرب إلى قلبه، شرعت أجنحة غرابيب الظنون تحلق في سماء روحها، بما يشرد عنها وهدتها وطمأنينتها، كما حدث لفوز، التي طفق اليأس يخاتلها وتناجي نفسها قائلة: «الحيرة تأكلني والندم يحرقني. لقد تعبت مما حملت من هموم، صبر وأوجاع، صمت وسكون، اشتياق ووله». لتصل الى نتيجة ربما هي متأخرة بعض الشيء تعلن عنها بقولها: «هل أترك البيت وأرحل، أم أهدر كرامتي بالصمت والسكوت وأبقى مع العذاب، والهجر والحرمان؟ وإن بقيت، هل ترضى كرامتي أن نكون ثلاثة؟!». السكوت عن الكلام المباح بينما منور قد انشقت ذاكرتها عنها بعيدا وكأنها تلفظه أو بمعنى تحرقه تقول: «حتى ذكرياتي الحلوة نسيتها». وكأن هذا النسيان يمحو معه ارتباطها بيوسف وارتباطه بفوزية، ويبقي لها ذريتها منه والتفاصيل الدقيقة لولاداتها، لتظل فيما بعد رهينة الواقع الذي تفيق عليه، وليس في نفسها سوى خيار حتمي واحد لا تفتأ تردده بين الفينة والأخرى: إما أنا أو فوزية». في عصمة يوسف وعليه أن يختار، تبحث عن طريقة لتفتيت صمتها بما يكشف عمق انهزام المرأة الشرقية من مواجهة رغبات الرجل، وطغيان قراراته الحاسمة وتتمثل لذلك في كون الرجال يمشون على الأرض والملائكة في السماء، لذلك تنأى بنفسها في انتقالات سريعة ما بين شاطئ البحر وأفلام الحب، القرار الأخير الذي أزمعت على وضعه صباحا كشرط واجب النفاذ لاستمرار الحياة مع يوسف، وان تسمح لها بالرقصة كاملة حتى يستجيب لها باختيار حاسم، إما هي أو فوزية، هذا السؤال المرتقب الذي تركته كجرح ينزف الروائية منى الشافعي، حتى يأتي الصباح، وكأنها تمارس بحبكتها لعبة شهرزاد، التي تترك حكاياتها بلا نهاية حاسمة بل متطلعة ليدرك شهرزاد الصباح وتسكت عن الكلام المباح. *

*غلاف الكتاب/محمد المزيني – كاتب سعودي

 

شاهد أيضاً

تشارلوز

المرأة التي بكى الأمير تشارلز من أجلهـا قبل كاميليا وديانا

ترجمة: ع.خ عن «الديلي إكسبريس» كان زواج الأمير تشارلز من الأميرة ديانا أحد أكثر العلاقات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by moviekillers.com